20 مارس, 2011

5 خرافات في الاستفتاء على التعديلات




في التدوينة السابقة، المنشورة يوم 14 مارس، أعلنت توقعي عن نتيجة الاستفتاء والذي أثبتت الأيام صحته، لكن الأهم أني حللت أسباب هذه النتيجة، ودعوت الجميع إلى قراءتها ودراستها ومصارحة النفس بالإشكاليات التي تطرحها هذه النتيجة - التي كانت متوقعة ثم صارت واقعة.

ومن المؤسف أننا رغم هذا لا نريد أن نواجه أنفسنا بالأسباب الحقيقية، ونلجأ إلى الاستسهال المريح، بل نعيد إنتاج أفيون ثوري يخدرنا عن مواجهة الواقع ومجابهة الحقيقة.

وحتى لا أطيل، أعيد طرح الإشكاليات والدروس المستفادة، كما كتبتها منذ أسبوع، وأنتقل إلى دحض الخرافات الشائعة حول ما رافق وشاب الاستفتاء على التعديلات الدستورية من أوهام وخرافات..


الإشكاليات والدروس مستفادة


أولاً:
على النخب أن تعرف قدرتها الحقيقية على الحشد، وأن تعرف قدر مخالفيها في الرأي وثقلهم في الشارع. وها نحن ذا دخلنا عصراً جديداً مفتوحاً لا عذر فيه لأحد بالتضييق الأمني والتهميش، فلا مانع لأحد من الشارع .. إن أراد!


ثانياً:
هل الفيسبوك وتويتر ويوتيوب تصنع الواقع المجتمعي أم تعكسه؟
هل هناك تغيير قادم من العوالم الافتراضية أم أن التغيير قائم على ارض الواقع والإعلام الجديد يحفزه ويسرّعه ويحسن من ظروفه التنسيقية فقط - حتى الآن؟
هل يستطيع العالم الافتراضي توجيه الرأي العام خارج نطاق الأقلية من المصريين الذين يستخدمون الإنترنت؟


ثالثاً:
هل سنقبل بنتيجة الديمقراطية لو أتت على غير هوانا؟
هل سنختزل الديمقراطية في الحق في التظاهر والتعبير عن الرأي والاعتصام في ميدان التحرير؟


رابعاً:
هل سنظل دوماً في مأزق الشعور بالاضطهاد السياسي لأفكارنا المستنيرة المشعة من قبل أفكار ضيقة الأفق؟ (لاحظ أني تجاوزت صيغة الشخصنة وأتحدث عن "الأفكار"!)

هل سنتناسى أن الشوارع التي نعرفها هي فقط الشوارع المألوفة لنا من كثرة السير فيها والجلوس في مقاهيها، لا التي عملنا فيها بالتوعية والحشد والتواصل؟

هل سنرى في أصدقائنا ومعارفنا أنهم هم "كافة القوى" وأنهم "المصريون" و"أطياف المجتمع"؟

هل سنظل نختزل "مصر" في "القاهرة"، والثورة في التحرير؟

هل نتعامى - كما فعل نظام مبارك - عن الصعيد والريف والعشوائيات؟

هل من نحب أن نقرأ لهم وأن نشاهدهم ضيوفاً على الفضائيات هم فقط "المفكرون" و"النخبة" و"أعلام الثقافة"؟

 
أما الأوهام والخرافات، فهي:

1- نعم = سلفي أو إخواني / لا = علماني أو قبطي

وهو وهم خزعبلي سطحي ساذج يقترب كثيرا في لولبيته من وهم الخوف من الحزب الوطني (المسحوق في الثورة) في الانتخابات القادمة (المتوقع أن تكون نزيهة). لا أشكك من التأثير الفعلي الذي أحدثه الإسلاميون عامة، والسلفيون خاصة، في الرأي العام وفي القوة التصويتية، لكني أؤكد أن هذا التأثير له وزن نوعي لا يتجاوز 30-40% من إجمالي من قالوا "نعم".

تبقى أغلبية 60-70% بعيدة عن تأثير الإسلاميين عليها، وهي التي وافقت لأحد سببين؛ السبب الأول: هو الخوف من المجهول والرغبة في الانتهاء السريع من الوضع العالق والفترة الانتقالية. والسبب الثاني: هو تكوين القناعة وفقاً للقراءة أو التأثر بوسائل الإعلام.

ومن الإخلال بمكان أن نغفل التداخل بين نسبة "المقتنعين" ونسبة الإسلاميين، لأننا سنكون في غاية التحامل لو ادّعينا أن "كل" الإسلاميين منساقون وغير مقتنعين.
الشق الآخر من الخرافة هو اختزال تصنيف المعارضين إلى أقباط وعلمانيين - ليبراليين ويساريين - فماذا عن الملحدين والأقباط الذين وافقوا؟! وماذا عن الإسلاميين والمتدينين الذين عارضوا؟!!

2- البرلمان القادم إسلامي .. ومن بعده الدستور

خرافة مرتبطة عضوياً بالخرافة السابقة، مما يؤدي للتوجس من أغلبية إسلامية بنسبة الثلثين - على الأقل - تسيطر على البرلمان، ومن ثمّ انتخاب الجمعية التأسيسية للدستور الجديد. ورغم تأكيد صبحي صالح أن تراجع الإخوان المسلمين عن وعدهم بألا ينافسوا على أكثر من الثلث سيعد كذباً بواحاً وانتحاراً سياسياً، إلا أن هذه الخرافة الرائجة وسط غير الإسلاميين لا تزال تجد صداها..
والأمر الغريب الذي يصر أصحاب الخرافة عليه هو أن جموع الإسلاميين، وليس الإخوان فقط، ليس عندهم من الكوادر والرموز الاجتماعية من ينافسون بهم على الأغلبية. ولا يمكن أن نصدق وهم الارتباط بين الشعبية الدعوية وبين النجاح في انتخابات حقيقية، كما لا يمكن أن ننسى أن هناك دوائر كثيرة تزخم برموز إسلامية كثيرة، لو حدث وتنافسوا سيفتتون الأصوات ولن يفوز منهم أحد. في حين تخلو دوائر أخرى من أي تواجد شعبي للتيار الإسلامي.

ومن المحزن حقاً أن ينتهي الاستفتاء ولا يزال كثير من المعارضين له يظنون أن الجمعية التأسيسية ستتشكل من الأعضاء المنتخبين في مجلسي الشعب والشورى. والحقيقة أن أعضاء المجلسين سينتخبون 100 عضو في الجمعية التأسيسية، منهم من هم أعضاء في البرلمان ومنهم من هم ليسوا أعضاءً، وذلك لتعويض العجز التمثيلي والفني في الجمعية التأسيسية. فسيفتح الباب لترشيحات ممثلين عن المرأة والأقباط والشيعة والبهائيين والنوبة وسيناء والشباب وغيرها من الفئات، بالإضاف إلى الاستعانة بالخبراء الفنيين سواءً في القانون أو العلاقات الدولية أو غيرهما.

هذا ما تقتضيه التعديلات الدستورية التي تمت الموافقة عليها من أغلبية الشعب، في حين تغافل - أو غفل - عنه كثيرون من المعارضين، ولا أعمم!


3- أنصار "لا" مهزومون

لن أكون رومانسياً أكثر من اللازم وأطالب المعارضين كلهم بالفرح والسرور "والزأططة" بالتجربة الديمقراطية الأولى، ذلك لأن كثيرين يرى فيما حدث من تجاوزات ما يقدح الديمقراطية ويطعنها في مقتل، وهم في ذلك محقون. لكني أرفض بشدة أن يكون مقابل "الفوز" هو "الهزيمة"، ذلك لأنها لم تكن مباراة، ولم يكن الاستقطاب حقيقياً شاملاً..
الأصح - في وجهة نظري - أن المعارضين "خسروا"، لكنهم لم "يُهزموا". والخسارة الأكبر في وجهة نظري خسارة ذاتية وإدارية نابعة عن عجز في إدارك حجم الذات وإمكانية تأثيرها بفعالية في المحيط. لقد خسر المعارضون حينما أنهكوا أنفسهم أمام فيسبوك وتويتر ويوتيوب، منعزلين عن الشارع والمقهى والمسجد والمواصلات العامة.

كادت "خسارة" المعارضين أن تكون أفدح بكثير لولا الدَفْعة الكبيرة التي أحدثتها الحملة التليفزيونية التي قادتها قناة "أون تي في" وأخرجها عمرو سلامة. ورغم أن الإعلان مقتبس بسطحية من حملة دعاية أمريكية، إلا أن اعتماد الحملة على التليفزيون "التقليدي" - لا "الإعلام الجديد" - كان له أثر كبير في زيادة عدد المصوّتين بـ "لا".

4- أنصار "نعم" هم الغوغاء والأكثرية المغرر بهم

 وهذا تجاوز وتطاول أكثر منه وهم، بل وصاية على أفهام الشعب المصري العظيم الذي ثار ثورة ظنها العقلاء وحملة أعلى الدرجات العلمية مستحيلة. هذه الجموع الغفيرة التي قدمت الشهداء والإمدادات الثورية عددا وعتاداً هي التي صنعت ما عجز عنه أصحاب "الوعي" و"التوعية" والتنظير العقيم.

وبموضوعية، علينا أن نربط بين هذا الوهم وبين الخرافة الأولى، فالعقلية التي تختزل النتيجة في تصنيف الفريقين إلى معسكرين، حشد أحدهما - أو بالأحرى سِيقَ - بوسائل غير عقلانية وغير إقناعية، هي ذاتها العقلية التي تهرب من مواجهة حقيقة حجمها وفاعلية تأثيرها إلى سب الأغلبية وشتمهم والانتقاص من قدرهم. وفي الحقيقة فإننا في حاجة إلى ثورة فكرية لا تقل ضراوة عن الثورة الميدانية من أجل تغيير نمط التفكير الاستسهالي الاختزالي الذي أدمن قطاع كبير من النخب تعاطيه.


5- نعم = فتنة طائفية 

 أذكر هنا قصة طريفة حكاها لي صديق جمعته زنزانة واحدة بجماعة تكفيرية من الصعيد، كان أميرها (شاب عشريني) يكفّر عموم المجتمع، ومنهم والداه لأنهما لم ينضما لجماعته، في حين أنه يرى عمه وخالته مسلمَين لأنهما انضما! 

الشاهد في القصة أن أعضاء هذه الجماعة كانوا إذا أرادوا شراء اللحم لم يشتروه من الجزار المسلم، ذلك لأنه كافر في نظرهم، وذبائح الكفار لا تحل، فكانوا بشترون اللحم من الجزار المسيحي لأن ذبائح أهل الكتاب حلال!!

من الصعب على الاختزاليين أن يفهموا هذه القصة، لأن المنطق الاستسهالي يقول إنه طالما كفّر أبويه فإنه من باب أولى أن يقتل الجزار النصراني مرتين يومياً - على أقل تقدير.. لكن الحقيقة أن تكوين الإسلاميين - على الاختلاف الشاسع بين فصائلهم وتياراتهم - على درجة من التركيب التي تصل أحيناً إلى التعقيد المستعصي على التفسير.

ورغم كل هذا، أعود لأؤكد أن "نعم" لم تكن إسلامية، وأن "لا" لم تكن قبطية ولا أرثوذكسية. وأن الاحتقان الطائفي له أبعاد أعمق من معركة وهمية على المادة الثانية من الدستور، الذي سيتم تغييره بالكامل.



وفي النهاية .. أختم بأني لم أعلن رأيي قبل الاستفتاء ولن أعلنه الآن. المهم أني أديت الفريضة الوطنية وأدليت بصوتي. 

4 التعليقات:

  1. غير معرفMar 20, 2011 09:36 AM

    تحليل جميل و لكن لى سؤال: منين المعلومة دى؟


    ومن المحزن حقاً أن ينتهي الاستفتاء ولا يزال كثير من المعارضين له يظنون أن الجمعية التأسيسية ستتشكل من الأعضاء المنتخبين في مجلسي الشعب والشورى. والحقيقة أن أعضاء المجلسين سينتخبون 100 عضو في الجمعية التأسيسية، منهم من هم أعضاء في البرلمان ومنهم من هم ليسوا أعضاءً، وذلك لتعويض العجز التمثيلي والفني في الجمعية التأسيسية. فسيفتح الباب لترشيحات ممثلين عن المرأة والأقباط والشيعة والبهائيين والنوبة وسيناء والشباب وغيرها من الفئات، بالإضاف إلى الاستعانة بالخبراء الفنيين سواءً في القانون أو العلاقات الدولية أو غيرهما.

    هذا ما تقتضيه التعديلات الدستورية التي تمت الموافقة عليها من أغلبية الشعب، في حين تغافل - أو غفل - عنه كثيرون من المعارضين، ولا أعمم!

    ردحذف
  2. المعلومة دي اتبح صوت أعضاء اللجنة في شرحها أكثر من مرة

    وحقيقي مش عارف .. هل سمعها المعارضون وأغفلوها؟ أم لم يستمعوا لشرح أعضاء اللجنة أساساً؟

    وكلا الحالتين خطأ كبير

    ردحذف
  3. غير معرفMar 20, 2011 09:51 AM

    استاذ اسماعيل
    هل فى حاجة مكتوبة بتقول الموضوع ده. انا عن نفسى لم اسمعها..حتى لو سمعتها..السمع مش كفاية..هل فى قرار مكتوب بيقول كده؟

    ردحذف
  4. حتى لو مش مكتوب

    التوثيق المرئي والمسموع كاف

    وحتى لو مش كده .. ده في إيدينا وممكن نضغط بيه وأظنه سهل تحقيقه بسهولة لو اشتغلنا عليه من دلوقتي

    ردحذف

أشكرك على التزام الأسلوب الراقي في التعبير عن رأيك
وأرجو أن أظل معتزاً بتعليقك وألا أكون مضطراً لحذفه.