لم أكن أعرف أن اليوم - الأحد 19 ديسمبر - هو موعد الجلسة المشتركة لمجلسي الشعب والشورى التي سيحضرها الرئيس مبارك. لفت انتباهي وأنا في بيت عائلة صديقي علي الرجال بشارع الفلكي سماع موسيقى شرطة وألحان وطنية متكررة. شككت في البداية أن تكون فرقة موسيقية بإحدى المدارس المجاورة، ثم استبعدت هذا الاحتمال وتوقعت أن تكون فرقة الشرطة الموسيقية على مقربة من هذه المنطقة الملبّدة بالوزارات السيادية والمجالس التشريعية والتنفيذية. كان علي يغط في نوم عميق بعد يوم مجهد جداً في مؤتمر الأمس، فأجّلت استفساري لحين استيقاظه..
انشغلت بترتيب حقيبتي استعداداً للعودة إلى الإسكندرية، حتى إذا ما بدأ علي يفيق من سباته سألته (بعد "صباح الفل" و"عامل إيه النهارده" و"الحمد لله") عن قرب مكان تدريب فرقة الشرطة الموسيقية من البيت العتيق الذي طالما جلس في شرفته جده الباشا يكتب في التشريع الجنائي ناظراً إلى قبة البرلمان المواجهة لمكتبه في "الفراندا"..
حينما أجابني بالنفي لم أتردد أن أخرج إلى "الفراندا" لأطل على باحة مجلس الشعب حيث وجدت ما توقعت، فهاهي فرقة الشرطة الموسيقية تقف في الناحية الجنوبية من باحة مجلس الشعب المصري..
قلت في نفسي لعلها الجلسة الافتتاحية للفصل التشريعي الجديد - دون أن يخطر ببالي حضور الرئيس مبارك. ظللت واقفاً في "الفراندا" لمدة خمس دقائق تقريباً أتفحص الشارع وما ينكشف لي من ساحة البرلمان، ولفت انتباهي وقوف فرد حراسات خاصة ببزّة رسمية (أظن الآن أنه ينتمي للحرس الجمهوري) بجوار خزان المياه لمبنى مجاور للبرلمان في شارع الفلكي، وكانت الفرصة متاحة للتصوير والتوثيق - لكني لم أتخيل أنه يوم تاريخي..
أثار الأمر فضولي، لكنه لم يكن أهم من تناول الإفطار، وقبيل نزولنا سألني علي سؤالاً عبقرياً - كعادته - عن عطلة المكوجية: هل هي الإثنين أم الثلاثاء؟ فأجبته: الإثنين، مثل الحلاقين. فردّ بتلقائيته العبقرية: يعني المكوجي هيكون فاتح النهارده؟!
أسمعته ما فيه النصيب من التهكم، ونزلنا وهو يحمل ملابسه للتنظيف والكيّ، ولكن - يا سبحان الله - وجدنا محل المكوجي مغلقاً - وكأن علياً بن الرجّال فيه شيء روحاني ميتافيزيقي متجاوز!
صعد ليرجع الملابس ووقفت بانتظاره أمام مدخل العمارة حيث كانت أمامي سيارة "جيب"- ملاكي البحيرة مطبوع على لوحة أرقامها شعار البرلمان (القبة)، كما لصق على زجاجها الأمامي ملصق الدورة التشريعية الحالية..
كان السائق بالسيارة ومعه فرد أو اثنان، وكان "الراديو" مفتوحاً على بث مباشر للجلسة المشتركة (كنت أظنها جلسة مجلس الشعب وحده) وإذا بالدكتور فتحي سرور ضمن كلمته - الكوميدية - يوجه حديثه قائلاً: "سيدي الرئيس"!!!
(هنا كانت تدق موسيقى الشرطة - الصورة من أ. ش. أ منشورة على موقع مصراوي)
هل من الممكن أن يكون الرئيس في البرلمان على بعد عشرات الأمتار من موطيء قدمي دون أن يتعرض لي أحد، أو حتى أرى أية تجهيزات أمنية أكثر من المعتاد في مثل هذه المنطقة الموبوءة أمنياً؟!
الحياة طبيعية جداً في الشارع، والسيارات تمر ذهاباً وجيئة، والمصالح الحكومية تعمل، وزحام أقل من المعتاد قليلاً عند هيئة الوقاية من الأمراض المعدية، والفارق الوحيد هو أني لم أسمع النداء إلى السيارات التي تنقل المواطنين إلى "جاماكا" (ولا يسألني أحد عن جاماكا لأني هموت وأعرف!)
نزل علي وتحادثنا في الأمر قليلاً، وكان قد روى لي من قبل عن حضور الرئيس مبارك لإحدى جلسات البرلمان في 2007 أو 2008، وكيف شُلّت الحياة تماماً في وسط المدينة، وكيف أنه حينما خرج إلى "الفراندا" ليتناول إفطاره وجد القناصة من فوق سطح العمارة يشيرون إليه بالدخول، وحينما أراد الخروج من البيت للذهاب إلى عمله (في مكتب الدكتور عبد الوهاب المسيري - رحمه الله - في ذاك الوقت) وجد القوات الأمنية في مدخل العمارة تمنعه من الخروج، وكان من نتيجة الشلل المروري الذي صاحب تلك الزيارة المشؤومة على سكان المنطقة وأصحاب المصالح فيها أن عليّاً استغرق 4 ساعات للوصول إلى عمله بعد فك الحصار..
استرجاع هذه الصورة دفع عليّاً للتشكيك بشدة في احتمال وجود الرئيس في البرلمان مع سهولة الحياة في منطقة وسط البلد وباب اللوق وعابدين والتحرير، مما جعلنا نرجح احتمال أن يكون مبارك قد أوفد من ينوب عنه..
وصلنا إلى مكتب حجز تذاكر القطار الملحق بسنترال باب اللوق وإذا بشاب "تبدو عليه الصحافة" يتحدث في هاتفه بانفعال: "بقول لك الريّس موجود ومش عارف أدخل...". وأثناء قطعنا الشوارع للوصول إلى عربة الفول بآخر شارع يوسف الجندي في مقابل وكالة أنباء الشرق الأوسط قرأنا في شريط الأخبار على بوابة الوكالة "الرئيس مبارك يشهد الجلسة المشتركة لمجلسي الشعب والشورى".
إذن، تأكدنا أن الرئيس موجود بالبرلمان ولا نزال غير مصدقين، فالأمور كانت "طبيعية لدرجة الريبة"!
(صورة لجلسة اليوم - أ. ش. أ منشورة على موقع مصراوي)
ضربنا طبقي الفول بالزيت الحار والطحينة مع فحلي البصل الأخضر والشويبسسس، وإذا بنا نرى أثناء عودتنا إغلاق شارع التحرير من ناحية ميدان التحرير، وهو ما كان شاذاً جداً في ظل فتح شارعي الشيخ ريحان ومحمد محمود وغيرهما مما هو أقرب للمجلسين (مع العلم بأني لم أطّلع على حالة شارع القصر العيني)..
عدنا فوجدنا المكوجي لم يفتح بعد، وقد اختفى فرد الأمن من جوار خزان المياه، وهمّت السيارة الجيب المملوكة لأحد نوّاب محافظة البحيرة بالخروج من الشارع منصرفة، فكانت مفاجأتنا الأكبر أن تأمين خروج الرئيس كان بنفس سلاسة تأمين تواجده دون ذعر كبير في المنطقة..
وأظن الآن أن المكوجي تطوع بغلق محله تحسباً لما اعتاده في مثل هذه الزيارات المشؤومة.
هل الاختلاف في تركيبة المجلس أم في محيطه؟
كما قلت، كانت الأمور "طبيعية بشكل مريب"، مما يفتح الباب لعلامات استفهام كبيرة وكثيرة. ومن شدة استغرابي أدعوكم لمساعدتي ومشاركتي التفكير في ترجيح أحد الاحتمالات التالية لتفسير ما حدث:
1- هل الرئيس مذعور من تركيبة برلمان خمسه كان من الإخوان وأكثر من الخمس بقليل معارضة حقيقية، وهو الآن مطمئن تماماً لتركيبة البرلمان الحالية؟
(برلمان المطبلاتية 2010 - الصورة من أ. ش. أ منشورة على موقع مصراوي)
2- هل الفارق الجوهري هو حالة هيجان الشارع والقضاة والعمال في 2007 و2008 في مقابل الركود النسبي لحراك الشارع (القاهري على الأقل) في ديسمبر 2010؟
3- هل هي استراتيجية أمنية جديدة تحاول الاستفادة من تجارب الماضي وتبتعد عن زيادة حنق المواطنين وقرفهم في عيشتهم ونقمهم على النظام والرئيس وعائلته؟ (بالمناسبة عائلة الرئيس كلها كانت حاضرة، ولا أستطيع أن أفهم بأية صفة حضر علاء وجمال مبارك!!)
(صورة مليئة بالدلالات: الحرس الجمهوري يرافق نجلي مبارك داخل البرلمان، وهما يتقدمان بعض القيادات العسكرية، ونظرات غريبة في عيون الجميع - الصورة من أ.ش.أ منشورة على موقع مصراوي)





كان من الواجب ان تشير الي خطاب الزومبي الذي يمشي ميتا الذي لم تختلف خلال 6 دروات برلمانية سابقة
ردحذفأعبر عن تطلعى للعمل مع نواب الشعب..أغلبية ومعارضة ومستقلين لإن مصر تسمو فوق الأشخاص والأحزاب
لقد تبدلت حياة المواطنين اليوم فى جوانب كثيرة منها إلى الأفضل بفضل برنامج إصلاح طموح وشامل
لقد صمد اقتصادنا أمام أزمتين عالميتين متعاقبتين ولم نمد يدنا لأحد
لانزال فى مواجهة مع قوى التطرف والإرهاب
دي بقي جديدة نوفي
بالنسبة لويكيليكس الي طبعا اعضاء البرطمان ما سمعوش عنها و لا في نشرة سيد ابوحفيظة
ما نقوله فى العلن هو ما نقوله وراء الأبواب المغلقة
عزيزي المواطن الغلبان - وكلنا مواطنون غلابة
ردحذفلقد اكتفيت بوصف خطاب جدو شرور بأنه "كوميدي"، وبصراحة لم أسمع خطابه كاملاً هذا بخلاف أني لم أرد الخروج عن الموضوع الأساسي