السبت، 8 مايو، 2010

هاللو هولندا في مصر .. ولكن!!


أقامت السفارة الهولندية بالقاهرة سلسلة من الفاعليات المتتالية تحت عنوان "هاللو هولندا!" Hello Holland وذلك في الفترة من 18 إلى 30 أبريل الماضي. وتنوعت "تحية الصداقة بين مصر وهولندا" بين الأنشطة الثقافية والاقتصادية والفنية والرياضية.

أظن أن الرسالة قد وصلت - وهي رسالة طيبة وصادقة غالباً - لكنها غير كافية.



أحداث أسبوع "هاللو هولندا!"

(السفيرة الهولندية سوزانا بلانكهارت بين حازم إمام ونادر السيد)

على الجانب الرياضي، بدأ أسبوع "هاللو هولندا!" يوم 18 أبريل بوصول الكأس البرتقالي، ووصول قافلة مكونة من 22 عربة برتقالية تمر عبر مصر منطلقة من أمستردام (يوم 3 أبريل) متوجهة إلى كيب تاون بجنوب أفريقيا للانضمام إلى الفريق البرتقالي لنهائيات كأس العالم. وقد حضر الاحتفالية التي أقيمت بمقر السفارة بالزمالك عدد من الوزراء ورموز كرة القدم المصريين.



(كابتن نادر السيد قبيل إطلاقه صافرة بدء دوري كرة القدم الودي بنادي المعادي)

كما أقيم دوري كرة قدم ودي شارك فيه فريقان من الأطفال المصريين والهولنديين، وذلك يوم 23 أبريل بنادي المعادي لكرة القدم بالاشتراك مع حارس المرمى ك/ نادر السيد.


أما على الجانب الثقافي والفني، فقد تم عرض فيلم المخرجة الهولندية (أنا ماري فان دي موند) "هانا هانا" ذي الملامح الكوميدية الرومانسية مصحوباً بترجمة إلى اللغة العربية، وذلك في المركز الثقافي الأسباني (سرفانتس) يوم 19 أبريل خلال احتفالية نظمتها الرئاسة الأوروبية.



(كريم خروب - أحد الشبان الثلاثة - متحدثاً عن تجربته في برنامج ربط الهويات المتحدة - عدسة إسماعيل الإسكندراني)


كما أقيمت يوم 20 أبريل بجامعة القاهرة احتفالية "ربط الهويات: كسر الصورة النمطية في هولندا"، حيث تم عرض تجربة 3 من الشباب المصري الذين شاركوا في برنامج "ربط الهويات المتحدة" الذي أقيم في كل من بلجيكا وهولندا جامعاً بين 32 من الشباب ذوي الخلفيات الثقافية المتعددة. وعلى هامش الاحتفالية أقيم معرض للمنح الدراسية وفرص العمل المتاحة للشباب المصري بهولندا.


(السفيرة الهولندية تتسلم درع جامعة القاهرة - عدسة إسماعيل الإسكندراني)


كما عرض الفيلم الوثائقي Satellite Coins بالجامعة الأمريكية بالقاهرة يوم 24 أبريل، وهو الفيلم الذي عرض في التليفزيون الهولندي ولاقى قدراً كبيراً من الاهتمام، حيث تناول إعداد البرنامج الفضائي "كلام نواعم" على قناة mbc كبرنامج أتاح للمرأة العربية كسر حاجز الكلام في بعض الموضوعات التي اعتبرت لفترة كبيرة محظورة، ثم دار النقاش مع كل من مخرجة الفيلم الهولندية "برختيه فان درهاك"، ود. حنان السبع - من الجامعة الأمريكية، واثنتين من مقدات البرنامج هما: فوزية سلامة وفرح بسيسو.

وقد كان مقرراً أن يقام يوم 22 أبريل حفل موسيقي مجاني تحييه فرقة كوبرك على مسرح الجنينة بحديقة الأزهر، إلا أن الفريق لم يتمكن من السفر بسبب الغبار البركاني.



(جانب من ندوة المسؤولية الاجتماعية للشركات)

وعلى الجانب الاقتصادي-الاجتماعي، فقد أقامت جمعية رجال الأعمال المصرية الهولندية EDBC يوم 19 أبريل ندوة خاصة حول المسؤولية الاجتماعية للشركات، وذلك بمشاركة عدد من الوزراء المصريين، منهم المتحدث الرئيسي محمود محيي الدين - وزير الاستثمار. وفي الندوة تم عرض بعض التجارب الهولندية المميزة في مجال مسؤولية خدمة المجتمع CSR، مثل TNT و Unilever وDSM.



(صورة لمبنى السفارة بشارع حسن صبري، الزمالك. المصدر: الموقع الرسمي للسفارة )


وقد انتهى أسبوع الفاعليات يوم 30 أبريل، العيد القومي لهولندا / يوم الملكة، وأزيلت الزينة البرتقالية من مبنى السفارة بالزمالك.


لماذا كل هذا يا هولندا؟

صحيح أن هولندا هي الشريك الخامس في التجارة والاستثمار الأوروبي، وأن أول قنصلية هولندية في مصر تأسست عام 1820، وأن 250 ألف سائح هولندي يزورون مصر سنوياً، إلا أنه من غير المعتاد أن تعبر دولة أوروبية عن نواياها الطيبة تجاه مصر - كمثال لدولة عربية إسلامية - بمثل هذه الكثافة والتنوع، وهو ما يثير أن الموضوع فيه "إنّ"!

وفعلاً، الموضوع فيه "إنّ" كبيرة. فقد اهتزت صورة هولندا كثيراً وتراجعت شعبيتها في العالمين العربي والإسلامي بعد نشر نائب البرلمان الهولندي "فيلدرز" فيلمه "فتنة" عام 2008، وهو الفيلم شديد التعصب ضد الإسلام والمسلمين. ومنذ إثارة هذه الأزمة منذ 3 أعوام وهولندا تسعى حثيثاً للحفاظ على صورتها في المنطقة العربية والإسلامية.

وفي سبيل ذلك، أقامت - ولا تزال تقيم - المؤسسات الهولندية المختلفة (مثل معهد Forum للشؤون متعددة الثقافات والسفارات الهولندية بالمنطقة ووزارة الاندماج الهولندية) العديد من البرامج التي تهدف إلى تقريب وجهة النظر الهولندية عن الحوار، والحريات، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وغيرها.

هولندا تريد أن تقول: "نحن لسنا ضد الإسلام ولا العرب، بدليل أن عمدة روتردام - ثاني أكبر مدينة بعد أمستردام - مسلم من أصل مغربي، وبدليل أن مليون مسلم يعيشون في هولندا يمثلون تقريباً 6% من السكان، وفي نفس الوقت نحن نضمن حرية التعبير التي قد تحتوي على حدة أو قسوة"

وهنا أطرح سؤالين؛ أولاً هل النية صادقة؟ وثانياً هل تكفي هذه الفاعليات والبرامج، أو هل حققت المرجو منها؟


شكراً هولندا .. ولكنه لا يكفي !!

أظن أن كثافة البرامج وتنوعها واستمرارها لشهور تلو الشهور على مدار العامين الماضيين دليل على خطة جادة للتواصل وتحسين الصورة. وإذا أخذنا في الاعتبار أن السفارة في القاهرة قد بدأت في تعيين بعض موظفين مصريين ذوي خلفيات محافظة - معتدلة، تبينـّا أن هذه الجدية مقترنة برغبة حقيقية للتواصل مع العالم العربي والإسلامي.


(جانب من معرض الوظائف على هامش احتفالية "ربط الهويات" بمبنى قبة جامعة القاهرة - عدسة إسماعيل الإسكندراني)


في المعرض الذي أقيم على هامش احتفالية "ربط الهويات" انتابني شعور بأن المملكة الهولندية "تسترضي" الشباب المصري - ممثلين في طلاب جامعة القاهرة، فمع مداعبة أحلام الشباب بالسفر بعرض توثيق تجربة الشباب الثلاثة المشاركين في البرنامج، مدت يدها الأخرى بالفرص العملية المرتبطة بالعمل والدراسات العليا في هولندا..

لكني في ذات الوقت، حينما استمعت لكلمة السفيرة سوزانا بلانكهارت وما تلاها من عرض تجربة الشباب الثلاثة، تملكني إحساس بأن هناك شيئاً ما ناقصاً... أو أشياء ...!


أشياء ناقصة ..

* من الجيد أن تكون هولندا حريصة على أن يكون لها صورة إيجابية في العالم العربي، لكن وصف الاتهامات المتعصبة والمتشددة ضد الإسلام بأنها مجرد "نبرات قوية وخشنة" (وذلك في النسخة المترجمة من نص كلمة السفيرة بالاحتفالية في جامعة القاهرة يوم 20 أبريل)هو وصف غير منصف، وغير كاف.


(السفيرة سوزانا بلانكهارت أثناء إلقاء كلمتها أمام حشد من طلاب جامعة القاهرة - 20 أبريل 2010، عدسة إسماعيل الإسكندراني)


* وكذلك من الجيد جداً أن تقول السفيرة إن هذه "النبرات القوية والخشنة" قد تظهر في السجالات والنقاشات "حول الإسلام"، لأن في ذلك اعترافاً صريحاً بأن الحوار لم يتم "مع" الإسلام - أو من يمثله - وإنما "حول" الإسلام.

holocausttoon
(الرسم الكاريكاتيري الذي حوكمت بسببه رابطة عرب أوروبا، من هذا المصدر)

* من الأخبار المفرحة أن محكمة مدينة أوتريخت قد برّأت ساحة الفرع الهولندي لرابطة عرب أوروبا من تهمة معاداة اليهود، وذلك بعد أن نشرت الرابطة رسماً كاريكاتيرياً يدعي اختلاق المحرقة النازية. وكانت الرابطة قد نشرت هذا الرسم بعد إعادة نشر الرسوم المسيئة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنمارك وهولندا العام الماضي، وذلك بهدف إبراز المعايير المزدوجة في المجتمع الهولندي. لكن التبرئة من غرامة رمزية بقدر 1000 يورو ليست هي المقياس، فيكفي أن القضاء قد قبل القضية من الأساس.

(جانب من حشد الطلبة في بهو مبنى قبة جامعة القاهرة يتعرفون على الفرص الدراسية بهولندا)

* ومن المحمود كذلك أن تقام الفاعليات الجماهيرية في مصر - أو غيرها من البلدان الجماهيرية - للتعريف بالثقافة والرياضة والشباب والمنتجات والخدمات الهولندية (أحد الشباب سأل صديقه قبيل بدء الاحتفالية: ما هي اللغة الرسمية في هولندا؟!)، لكن أين الفاعليات الجماهيرية التي تعرف الجمهور الهولندي بالنظير العربي في هذه الجوانب.

* من العظيم أن يعاملنا الهولنديون باحترام مهتمين بأن يوضحوا لنا أن "هذه هي ثقافتهم وخلفياتهم" مطالبين إيانا باحترامها، لكن هل أعلنوا أنهم سيستمعون إلى منظورات عربية-إسلامية مختلفة عنهم - وإن كانت متفتحة بما يكفي - لتناول بعض القضايا العميقة؛ مثل النسوية feminism والأنماط غير المعتادة للحريات .. إلخ.


لماذا "نكسر" الصور النمطية ولا "نصلحها"؟!!

سؤال طرحه أحد طلاب جامعة القاهرة في المناقشة غير الرسمية المفتوحة التي أعقبت عرض ياسمين جلال وكريم خروب ومصطفى عبد الآخر لتجربتهم في هولندا وبلجيكا خلال مشروع ربط الهويات. وهو سؤال جدير بالتفكير..



(الغلافان، الأمامي والخلفي، للكتيب الذي احتوى على مذكرات الشباب المصريين الثلاثة المشاركين في برنامج ربط الهويات 2009)


ضمنياً، اعترفت ياسمين جلال بهذا الخلل في العنوان، إذ أقرت في مذكراتها حول الرحلة أن صورتها النمطية عن الإندونيسيين بأنهم خجولون وهادئون قد ثبتت صحتها. وهو ما يفتح الباب أمام إعادة النظر في "الكليشيهات" التي اعتادها كل من يعمل في مجال الحوار متعدد الثقافات، فهل هي معبرة حقيقة عن مضمون الأنشطة التي تهدف إلى "بناء الجسور" و"الفهم المتبادل" و"الدمج" .. إلخ من عناوين وصياغات ثابتة.

وعلى صعيد آخر، هل يبذل الأوروبيون جهداً حقيقياً في تصحيح صورتهم النمطية عن العرب والمصريين؟ أظن أن هناك خللاً كبيراً يشوب مثل هذه البرامج - وقد وافقتني فيه (مارلوس فان 'ت باد بوس) مسؤولة الدبلوماسية العامة بالسفارة الهولندية بالقاهرة في نقاش سابق معها - وهو باختصار عدم الوصول لمن يمثل القاعدة العريضة من الشباب المصري أو العربي.

فطلاب الجامعات الأجنبية والخاصة، ومعهم أغلبية متقني اللغات الأجنبية، لا يمثلون سوى نسبة ضئيلة من الميسورين في مجتمع أغلبيته تحت خط الفقر. والخلل هنا ليس طبقياً فقط، وإنما يصاحب مستوى الدخل - عادة - نمط من الثقافة الفرعية التي قد تختلف اختلافاً كبيراً جداً عن غيرها من الثقافات الفرعية في نفس المجتمع. هل يمثل شاب من الزمالك أقرانه في المساكن العشوائية؟ هل تعبر فتاة الدقي عن بنات الصعيد؟

ما العمق في أن يتعرف الشباب الغربي على شباب عربي يلبس مثلهم ويأكل طعامهم ويسمع فرقهم الموسيقية بل قد يكون قد قرأ تاريخهم جيداً بحكم دراسته؟

لا تزال الصورة ناقصة لديك يا هولندا ..


هل القيمة عامة .. أم موجهة؟

هل العائد على المشاركين في برامج الحوار هي قيمة إنسانية مجردة، أو مهارة مكتسبة يستفيد بها المشارك في علاقاته الاجتماعية العامة، أو حتى في طريقة تفكيره؟

من الملاحظ في كتيب مذكرات الشبان المصريين الثلاثة - كريم ومصطفى وياسمين - أن هناك حالة من التفهم لتقنين الدعارة والمخدرات في هولندا، وإن كان يحسب لهم عدم الاندفاع والمطالبة بنسخ التجربة في مصر. لكن يبقى السؤال حول تفهمهم لما يرونه غريباً أو غير مألوف في الثقافات الفرعية المصرية..

أرجو عدم الاستعجال في الإجابة، لأن الملاحظ أن خريجي مثل هذه البرامج عادة ما يكتسبون قدرة عالية على تفهم "الآخر الأوروبي" و"الآخر الأمريكي" و"الآخر الملحد" و"الآخر مثلي الجنس"، لكن الغريب حقاً أن هذه المقدرة لا تزال ضعيفة أو معدومة في حال البحث عن من يتفهم "الآخر الصعيدي" و"الآخر البدوي" و"الآخر البهائي المصري" و"الآخر إسلامي الفكر" و"الأخرى المنقبة" ..

هل هدف برامج الحوار أن نتفهم أنماطاً معينة من "الآخر"، وأن تزداد الفجوة بيننا وبين أنماط أخرى؟!!

أرجوكم، لا تستعجلوا الإجابة..


مقترحات عملية

ليس الهدف من طرح هذه الأسئلة أن تكون الخلاصة أنه ما من فائدة، بل العكس تماماً هو الصحيح.

الفائدة كبيرة ومهمة، والهدف من الأسئلة هو تطوير التجارب لتعظيم الفوائد. ولن يكون هذا إلا بالتفكير النقدي، الذي يفضي إلى طرح مقترحات عملية ..

أرى أن هناك أهمية كبيرة لأن يستمع الهولنديون إلى من لم يعتادوا أن يسمعوه من العرب والمصريين.

* قد تكون البداية بجلسات مستديرة تضم النخب، لكن المهم أن يتم الخروج عن المألوف في مثل هذه الفاعليات النخبوية، سواء من حيث خلفيات المشاركين أو حتى قوائم المدعوين (شبه الثابتة).

* وقد يتلو ذلك لقاءات "شبه جماهيرية" أو جلسات مفتوحة في أماكن غير فئوية تضم مختلف الخلفيات والثقافات الفرعية.

* ومن الأهمية بمكان أن يتوازن القائمون على السفارات بين الاستعانة بأهل البلد الناطقين بلغتها الأم وبين تعلم اللغة العربية وبذل الجهد من أجل التقارب الحقيقي (غير السهل) مع الشعب، وهي وظيفة "الدبلوماسية العامة" بالأساس.


..........................................................................

على الهامش..

- إصدارات السفارة الهولندية باللغة العربية مليئة بالأخطاء الشنيعة لغوياً وإملائياً، لكني لا يمكن أن ألومهم طالما أن هذه هي نفس حال إصدارات المؤسسات الوطنية في جمهورية مصر "العربية"، وطالما أن الدقة فاتت نائبة رئيس الجامعة، د. هبة نصار، فوقعت في خطأ بروتوكولي لا يصح أن يحدث في وجود سفيرة دولة أجنبية

(فقد ذكرت أن د. إسماعيل سراج الدين هو رئيس مكتبة الإسكندرية، والصحيح أنه "مدير" المكتبة لأن رئيستها هي سوزان مبارك).

- لا أدري من هي الجهة المتسببة في التأخير الرهيب في بدء برنامج الاحتفالية بجامعة القاهرة والذي تسبب في عدم بدء أو انتهاء أية فقرة في موعدها المفترض، هل هي الجامعة ذاتها أم السفارة؟