
طيور مصر البريئة
Egypt’s Mockingbirds
مقاربة بين رواية المؤلفة "هاربر لي" والواقع المصري المعاصر
بقلم إسماعيل الإسكندراني
إن كانت هاربر لي قد أبدعت في نقل قاريء روايتها "أن تقتل طائراً بريئاً" إلى طفولته بما تحمله من مشاعر وأفكار وتوجسات ومغامرات، فإن بعداً آخر تثيره الرواية في ذهن القاريء المصري المعاصر – لا يقل إبداعاً عن سابقه – تحدثه الرواية دون أن تكون كاتبتها قد قصدت ذلك منذ ما يقرب من نصف قرن.
عمدت هاربر لي إلى أن تُري القاريء جنوب الولايات المتحدة في فترة الكساد الكبير بعين سكاوت فينش الطفلة عميقة الإحساس، دقيقة الملاحظة، شديدة البراءة، التي لا تخلو من السذاجة والفكاهة أحياناً. ولعلها قد أرادت بذلك أن ترجع الأمور إلى أصولها، إلى عالم الأطفال قبل أن تلوثه "حقائق الكبار" بمعاييرها المختلة المتضاربة.
دولفوس رايموند: "لم تتأثر غرائز ذلك الطفل بعد بالأمور السائدة هنا. بعد أن يكبر قليلاً لن يصاب بالغثيان ويبكي ... بسبب العذاب الذي يسلطه بعض الناس على البعض الآخر .. دون أن يتوقفوا ليفكروا حتى في أن هؤلاء بشر أيضاً".
أتيكوس: "في محاكمنا، حين تكون هناك شهادة رجل أبيض ضد شهادة رجل أسود فالأبيض هو الرابح دائماً. إنها حقيقة بشعة جداً ولكنها من حقائق الحياة".
فكم ستكون الحياة أنقى وأصفى لو سادت فيها شفافية الأطفال!
أتيكوس: "لو كنت واحداً من هؤلاء المحلفين يا بني، ومعك أحد عشر صبياً مثلك لكان توم رجلاً حراً الآن. فأنت حتى الآن لم تشهد ما يؤثر في فكرك. أما أولئك المحلفون في قضية توم فهم اثنا عشر رجلاً يتسمون بالتعقل في حياتهم اليومية، ولكنك لاحظت أن شيئاً ما يحول بينهم وبين التفكير العقلاني".
إنه عالم الأطفال النقي الذي ألمحت الرواية إلى دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وتمثلها مدرسة مالكوم الابتدائية، وما يناظرها بشكل أو بآخر دور الحضانة لدينا، في تخريبه والعبث في صفائه. فمع أول احتكاك اجتماعي "للبشر الصغار" وخروجهم التدريجي من عالمهم الخاص يبدأ الكبار، ومعهم كبار الصغار، في التدخل بتعليقاتهم وتوجيهاتهم وقواعدهم. وهنا يبدأ التمييز.
ومع أول شجار طفولي يتدخل الأهل، ومنهم الإخوة الأكبر سناً، بـ"قيمهم" و"معاييرهم"، ولربما بشتائمهم ونفوذهم وبطشهم. وهنا يبدأ الظلم.
سكاوت: " ما دمت لا ترغب في أن أنشأ على تعلم هذه الألفاظ فلماذا ترسلني إلى المدرسة؟"
بين العدالة والتمييز
سبرت لي أغوار العدالة والتسامح بدءاً من الأصل الفطري الطفولي، مروراً بتأثر الصغار بإشاعات الكبار وضلالاتهم، ثم توحدهم مع المعايير الاجتماعية السائدة ونفيهم التهم الموجهة إليهم أو لذويهم، كما فعلت سكاوت مع فرنسيس حفيد عمتها ألكسندرا حين عاير أباها بأنه "محب للزنوج" دون أن تدري معنى هذه الكلمة، وانتهاءً بالعنصرية القميئة وانتهاك القانون المتمثلين في سلوك أهالي بلدة مالكوم إزاء توم روبنسون وأسرته من السود، ثم الخسة في أحط صورها التي جسدها بوب يوويل حين حاول الانتقام من "أتيكوس فينش" بقتل ابنيه متخفياً في الظلام.
وهنا في مصر، هل يعرف الأطفال فرقاً بينهم لاختلاف عائلاتهم في الدين أو الطبقة الاجتماعية أو الإقليم الجغرافي؟ أم يتشربون التمييز والانتهاك من أسرهم وجيرانهم ووسائل الإعلام؟
وكما اقتبست لي عبارة تشارلز لام في مستهل الرواية: "أعتقد أن المحامين كانوا ذات يوم أطفالاً"، نستطيع أن نقيس عليها الساسة ومشرعي البرلمان وصناع القرار والمهنيين والحرفيين والمفكرين والفنانين والكتاب. فكل أولئك كانوا ذات يوم أطفالاً.
كل هؤلاء لم يكونوا يعرفون الفارق بين ابن المسلم وابن المسيحي وابن البهائي. لم يكونوا يدركون أوجه تميز أهل الشمال عن "الصعايدة" وأهل النوبة. لم يكونوا قد تعلموا بعد أن أهل الريف أقل قدراً من أهل الحضر، ولا أن سكان الأطراف من البدو أقل أهمية ووطنية من قاطني العاصمة. لم يكونوا قد استشعروا بعد سحر المال الذي يرفع أقواماً ويضع آخرين، ولا فهموا الهوة بين ابن الوزير وابن الغفبر.
لكن الأيام تمر، والصغير ينضج، والمجتمع يربي. وما كان غامضاً و ملتبساً على أطفال الولايات المتحدة وأقرانهم المصريين صار واضحاً ومفهوماً بمرور الزمن. فمع مرور الشهور والأيام يعرف المحظوظون صلاحياتهم ويجابه المقهورون عقباتهم، وما هي إلا سنون معدودات حتى يعرف الذكر امتيازاته وتفهم الأنثى التزاماتها.
جيم: "هذا ما فكرت فيه أنا أيضاً حين كنت في مثل عمرك. ولكن إذا كان هناك نوع واحد من الناس فلماذا لا يتفاهمون معاً؟ وإذا كانوا كلهم متشابهين فلماذا ينحرفون عن المسار ليحتقر الواحد منهم الآخر؟"
الوجه الآخر للآخر
على التوازي مع مفارقات العدالة، ترسم لي برشاقة المخاوف الطفولية من الآخر، وهي المخاوف التي تشكلت بفعل معلومات وحقائق لم تلبث المبالغة أن طورت منها قليلاً ثم أسلمتها إلى الخيال الطفولي، الأرحب والأسهل من التحقق الواقعي. وهو الذي قام بدوره ونسج الخرافات والأساطير التي تقضي بالبقاء بعيداً عن الآخر المجهول اتقاءً لشروره وأخطاره المحتملة، لا بل الأكيدة!
سكاوت: "وصف جيم بو وصفاً دقيقاً. فطوله حوالي مترين وكان يأكل السناجب النيئة وأي قطط تقع بين يديه لذا كانت يداه ملطختين بالدماء فإذا أكلت حيواناً نيئاً فلا يمكن أن تزيل آثار الدم من يديك. أما وجهه فيحمل أثر إصابة طويلة متعرجة، وأسنانه صفراء مسوسة وعيناه جاحظتان وفمه ينساب منه اللعاب معظم الوقت".
وبإسقاط قد يبدو بعيداً نوعاً ما عند التعليق على الرواية، لنا أن نتعجب لمخاوف "الناضجين" في الولايات المتحدة الأمريكية من العرب أو المسلمين أو مهاجري أمريكا اللاتينية وآسيا، في ذات الوقت الذي تتعاظم فيه مخاوف "ناضجي" مصر وعقلائها من "عمالة" نشطاء العمل المدني المتعاملين مع الجهات الأجنبية، ومن "إرهاب" أصحاب التوجهات الإسلامية فكرياً وسياسياً، ومن "جرائم" المنتقبات، ومن "مخازن السلاح" في الكنائس الضخمة، ومن "جاسوسية" الطوائف الشيعية والبهائية واليهودية!
وهي المخاوف التي لا تلبث أن تتحول إلى كراهية دفينة تحمل صاحبها على ارتكاب أبشع الجرائم بلا رادع من مبدأ ولا ضمير، ولعل مقتل مروة الشربيني بثماني عشرة طعنة سكين آثمة يوضح المدى الذي قد يصل إليه التعصب الذي يعمي صاحبه عن رؤية حقوق الآخر وإنسانيته وعائلته.
فإن كان الأطفال في انتظار وفاة السيدة ديبوزا أو تدخل السيد آرثر بو رادلي في حادث مروع كاد أن يذهب ضحيته جيم وسكاوت حتى يسفر ذاك المجهول الغامض عن وجهه المستور، فهل يبادر الناضجون الأمريكيون والمصريون لاكتشاف "آخَرهم" الحي بين ظهرانيهم؟ أم تكون العودة إلى الطفولة – هنا بالذات لا فيما يخص التسامح – هي الملاذ المبرر لاستسهال الفرقة؟ هل تحلو لنا المخاوف الطفولية في حين نتبرأ من براءة الطفولة؟ وهل للناضجين من حكيم يقرعهم كما فعل أتيكوس مع جيم فيما يخص مخاوفه من منزل السيدة ديبوزا؟
أتيكوس: إن ذلك يتواءم مع خيالك. تصور نفسك وكأنك داخل منزل عائلة "رادلي".
ليس من الغريب على من اختلت نظرته بفعل المخاوف الطفولية أن يضع ثقته في غير محلها، فالنتائج مبنية على مقدماتها. لذلك فإن تعاطف جيم وسكاوت مع الكلب المسعور كان من الممكن أن يعرضهما لخطر حقيقي. لكن العجيب حقاً أن يتجاسر الأطفال على اكتشاف مجهولهم، ولو بأسلوب طفولي تمثل في محاولتهم إرسال رسالة إلى جارهم بو رادلي بطرف صنارة، في حين أن الناضجين لا يسعون لنفس الهدف، لا بأسلوب ناضج ولا بغيره طفولي.
"لن تعرف أبداً إنساناً ما على حقيقته حتى تضع نفسك مكانه وتنظر للأشياء من وجهة نظره".
بل الأمور تأخذ في العادة منحىً أبعد من التوجس من الآخر، وتصل إلى اتهامه بكل النقائص، إلى أن يفاجأ صاحب المخاوف الطفولية بأنه في الحقيقة مدين لهذا الآخر بالكثير.
سكاوت: "لقد منحنا دميتين من الصابون وساعة مكسورة مع سلسلة وزوجاً من البنسات التي تجلب الحظ السعيد، كما منحنا حياتينا. ولكن الجيران يهدون أيضاً بالمقابل، إلا أننا لم نكن نعيد إلى الشجرة ما كنا نأخذه منها. لم نعطه شيئاً وهذا ما أحزنني".
ولن تحدث الاستفاقة إلا بعد أن نتعرف عليه من قرب كما بدأت سكاوت في "تعلم لغته الجسدية الخاصة". لكن إلى أن يحدث ذلك يبقى المختلف عن المجموع رهين ما يتوقعونه منه، وقد لا يجد لنفسه مخرجاً من هذا إلا بادعاء النقيصة في حق نفسه مثلما لخصها دولفوس رايموند بقوله:
"لست بذلك السكير، ولكتك ترين أنهم لن يستطيعوا أبداً أن يفهموا أني أعيش بهذه الطريقة لأن تلك هي الطريقة التي أريدها".
نضال الداخل .. طريق طويل لا يسلكه إلا نبيل
كخط فرعي في الرواية تبدع لي في رصد ملامح كفاح التغيير والإصلاح الداخلي، وما يكتنفه من صعاب، وما يتطلبه من أخلاقيات.
أتيكوس: "نحن لا نحارب اليانكيز، بل نحارب أصدقاءنا ولكن ضعي في اعتبارك أنه مهما كانت الأمور مريرة فهؤلاء لا يزالون أصدقاءنا وهذا لا يزال وطننا".
فما أسهل جهاد الأعداء! وما أشق أن يكافح المرء ضد بني وطنه!
وغالباً ما يتوجب هذا النضال حين يناقض المجتمع نفسه، ويتطرف في نظرته للحياة. فإما أحادية روحية قالت عنها الآنسة مودي: "هناك نوع من الأشخاص يهتمون كثيراً بحياة الآخرة إلى درجة أنهم لم يتعلموا كيف يعيشون في هذا العالم"، أو ما يقابلها من أحادية مادية تسحق إنسانية الإنسان. أو انفصام واضح بين القيم المدّعاة وبين الممارسة العملية.
فالآنسة جيتس التي تعلم التلاميذ القيم الديمقراطية وتعيب على هتلر تحيزه واضطهاده لليهود هي نفسها التي ترى وجوب "تلقين الزنوج درساً" لأنهم "تخطوا حدودهم" مع البيض ولم يبق لهم إلا أن "يتزوجوا منهم" – لا سمح الله!
سكاوت: "يا جيم كيف يمكنك أن تكره هتلر إلى ذلك الحد ثم تتحول لتمارس أفعالاً بشعة تجاه أشخاص موجودين في موطنك؟"
والمجتمع الذي يتحول فيه النظام التعليمي إلى أداة لتثبيط همم التلاميذ وقتل دافعيتهم للتعلم، كما فعلت الآنسة كارولين بمعاقبتها سكاوت على "جريمة" تعلم القراءة قبل دخول المدرسة، وكما تعاملت مع ولتر كانينجهام بعاجية مقيتة لا تزيد الطين إلا بلة، لا نتعجب من تهكم أتيكوس عليه بقوله:
"المثال الأكثر هزلية الذي أستطيع التفكير فيه هو أن المسؤوليين عن التربية يسوون بين التلاميذ الأغبياء والكسالى وزملائهم المجتهدين وذلك لأن "كل الناس قد خلقوا متساويين"!
والنتيجة الطبيعية لذلك أن يكون "هناك شيئاً ما في عالمنا هذا يجعل الناس يفقدون عقولهم وفي هذه الحالة لا يستطيعون أن يعدلوا ولو حاولوا".
وحين يبلغ الانفصام مداه لا نتعجب من حنان الجمعية التبشيرية على قبيلة المرونا الأفريقية بالتزامن مع عدم مبالاتها للقسوة الواقعة على الأفارقة الأمريكيين.
في ظل هذا الوضع الموبوء القابل للوجود في أي مجتمع وأي زمن، تتعاظم الحاجة إلى الهمم العالية والنفوس الشريفة و"ذوي العقول الراجحة الذين لا يتفاخرون بمواهبهم". هؤلاء فقط هم من يدركون أن "الشجاعة تكون حين تعلم أنك خاسر حتى قبل أن تبدأ ولكنك تبدأ على أية حال، وتحاول أن تصل بقضيتك الخاسرة إلى آخرها مهما كان الأمر. قد لا تكسب إلا نادراً لكنك ستكسب على أية حال"، كما قال أتيكوس.
هؤلاء النبلاء هم الذين يتحملون ما لا يستطيعه غيرهم، بل تجدهم أحياناً يتحاملون على أنفسهم وذويهم رفعة لمبادئهم العزيزة، كما كاد أتيكوس أن ينسب قتل بوب يوويل إلى ابنه جيم.
فأولئك هم أهل الأمل الذين يؤمنون بأنه: "لا تعني هزيمتنا وقد مضى عليها مائة عام أن نتخلى عن السعي للانتصار". وكم هم قليلون أولئك الذين يتفهمون ما قالته الآنسة مودي: "إننا نتقدم خطوة .. حسناً إنها خطوة صغيرة جداً ولكنها خطوة على أية حال".
أما الهروب من إصلاح الوطن فلا يقدر عليه من عشق ترابه وذاب في هواه.
سكاوت: "لم لم يحاول بو رادلي الهرب"؟
ديل: "ربما ليس لديه مكان يهرب إليه".
0 التعليقات:
إرسال تعليق
أشكرك على التزام الأسلوب الراقي في التعبير عن رأيك
وأرجو أن أظل معتزاً بتعليقك وألا أكون مضطراً لحذفه.