الأحد، 3 مايو، 2009

الهرم المقلوب .. من أعمال رباعية سكندرية


أبدأ بنشر أعمال "رباعية سكندرية" التي فزت عنها بالمركز الأول في


"المسابقة الوطنية لنشر التفاهم والاحترام المتبادل - لأننا جميعاً بشر"


التي نظمها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وأقيمت احتفاليتها يوم السبت الموافق 11 أبريل 2009.


عن الرباعية

حقوق البشر .. تشرحها كلمات .. تنتهكها كلمات .. تدافع عنها كلمات .. ترصد أحوالها كلمات ..


ليس الغرض من الرباعية هو السرد أو التوجيه المباشر الذي ثبت عجزه عن إحداث التغيير، ولكنها كتابات جدلية الهدف منها هو إثارة التساؤلات وإجراء المناقشة بين المتدربين، مع تقريب إعادة تمثيل الأدوار وتبديلها ..


كُتبت الرباعية لتكون مادة خام للأنشطة التعليمية والتدريبية، فما بين قصة قصيرة مثيرة للمناقشة، وسيناريو يصلح ليقوم الشباب بتمثيله في مشاهد قصيرة، و"فانتازيا" مليئة بالإسقاطات تتعدد الاختيارات للميسرين للاستفادة من هذه الكتابات ..حاولت جاهداً التنويع في التعرض لأشكال التمييز والتعصب لتوفير مادة ثرية تصلح لأكثر من نشاط يخدم أكثر من قيمة أو معنى.



العمل الأول


الهرم المقلوب

(قصة قصيرة)


نزل الخبر عليه كالصاعقة، لم يشعر بنفسه وهو يسقط النوكيا 96 من يده، لم يتمالك نفسه وانفجر في البكاء حتى أنهى علبة المناديل ..
وبعد انتهاء مراسم العزاء وفترة الحداد (مع خصم الأجازات الرسمية والأعياد) قرر أن يبقى في مصر ليستلم أعمال والده وشركاته ..
مع أول أسبوع، أراد أن يطور أداء شركاته (شركات أبيه سابقاً)، فقرر أن يستفيد من دراسته لإدارة الأعمال في الخارج، وطرقعت في نفوخه فكرة جبارة لتحقيق المشاركة في الإدارة ..

وفي الاجتماع العام أعلن أن يوم الأربعاء التالي سيكون يوم "الهرم المقلوب" حيث سينعكس الترتيب الوظيفي لكل الهيكل الإداري، ويتبادل العاملون الاختصاصات والصلاحيات ..
لم يتصور عادل أن يستغرق شرح الجملتين السابقتين أكثر من ساعتين ذهب نصفهم في عبارات من قبيل: "العفو يا باشا"، "المقامات محفوظة"، "الجزمة ما تعلاش على الجوارب" ..
ورغم أن الأبواط الجديدة قد علت فوق كل "الشرابات" المعتادة، إلا أن الموظفين المخلصين لم يستطيعوا أن يتخلوا عما تعودوا عليه، فلم يتمكنوا من تخيل أنفسهم وهم مكان رؤسائهم "يشخطون" و"ينطرون" .. يمنحون ويمنعون ..
لا لا يا باشا العفو .. الأهرامات معدولة من أيام الفراعين ولا نستطيع أن نقلب نظامها ..

وهنا فض عادل الاجتماع، وأعطاهم فرصة للتفكير لمدة أسبوع، وطلب منهم أن يتخيل كل منهم أنه يجلس على كرسي رئيس مجلس الإدارة – مكان المرحوم والده – وأنه يتصرف مثل والده تماماً..

لم يستطع النوم تلك الليلة، وظل يفكر .. هل أثرت أعوام الغربة في لهجته فصار كلامه غير مفهوم؟! أم أنه أساء عرض فكرته الجديدة؟ وما هذه النظرات الغريبة التي وجدها في عيونهم مع آخر عبارتين قالهما في الاجتماع؟! الغريب أن منهم من لمعت عيناه، ومنهم من نظر إلى الأرض وكأنه يشعر بالخجل، ومنهم من كتم ضحكة كادت شفتاه أن تنطلق بها ..
"غريب أمر هؤلاء الناس .. لماذا لم يستوعبوا ما قلت؟!"

مر الأسبوع سريعاً .. وبدأ الاجتماع الثاني بخطبة عصماء عن "روح التعاون الجماعي .. بين المدير والساعي" أعقبها بتأكيد شديد على "أهمية الانتماء قبل الطاعة والولاء" .. ولم يستطع أن يؤجل استثمار فرصة التجاوب الذي بدا واضحاً على وجوههم فوجه السؤال الحاسم ..
"ها؟ من منكم يتقدم ليكون رئيس مجلس الإدارة؟"
وبعد تكرار السؤال ثلاث مرات بدأ ينفعل محذراً: "هل سيتطوع منكم أحد أم أختار أنا؟"
ولما كانت الطيور قابعةً على رؤوس الجميع .. كظم غيظه وزمجر قائلاً: "همم.. أنتو فاكرين أني بعزم عليكو عزومة مراكبية؟ طيب .. سأثبت لكم أني أؤمن بالمساواة والمشاركة .. فين عم عيد؟"
اسبهل الجميع ودلدلوا ألسنتهم .. "هه؟!!"
"إيه؟ بقول فين عم عيد .. نادي عم عيد يا تامر"

خرج السكرتير يكلم نفسه متعجباً .. "عم عيد عامل البوفيه؟ الراجل ده مجنون ولا عايز يجننا؟"
وبمجرد أن وقعت عيناه على عم عيد وقف في تناحة غير معهودة حتى أربك العم عيد الذي كان ينظر إليه باستغراب حتى قطع الصمت الطويل بعد تفكير كثير في اللقب الذي سينادي به عامل البوفيه المرشح ليكون رئيساً لمجلس الإدراة ..
"يا حاج عيد كلم عم عادل"
لم يدرِ عم عيد ماذا يقول!! هل يشكر تامر على الاحترام المفاجيء؟ .. أم يذكره أنه مسيحي ولا يحج وإنما أمنيته أن يقدس بعد زوال الاحتلال الإسرائيلي عن بيت المقدس؟ .. أم يسأله عن عم عادل هذا الذي لم يسمع عنه من قبل؟! ..
لم يجد عم عيد نفسه إلا سائراً وراء السكرتير الذي أشار إليه باتباعه في طريقه إلى قاعة الاجتماعات الكبرى ، وبعد زوال الرهبة وعلامات البلامة تذكر عم عيد بعض كلمات المرحوم أبي عادل حينما كان يقدم المشروبات لضيوفه، فانفصل عيد عن الواقع للحظات وهو يسترجع إحدى عبارات المرحوم الشهيرة التي حفظها عن ظهر قلب ..
"خذ ضماناتك بالورق .. الورق أغلى من الذهب .. أذل الورق أعناق الرجال"

على غير المتوقع فاجأ عم عيد كل العاملين بالشركة حيث بدأ يفاوض عادل في الضمانات التي سيحصل عليها حتى لا يفقد وظيفته أو يعاقب بعد انقضاء "اليوم المقلوب" ..

تجاوب عادل مع عم عيد، واتفقا أمام الجميع على ضمان مكتوب يحفظ لعم عيد وظيفته وعدم عقابه بعد انقضاء اليوم المتفق عليه، بل وعمم عادل هذا الضمان لكل الموظفين بشرط أن يتقن عم عيد القيام بدوره كرئيس لمجلس الإدارة ..

انقلبت أحوال زوجات العاملين بالشركة ما بين مكذبة لزوجها، ومنزعجة مما استجد على حياة زوجها، ومحرضة لزوجها على استغلال الفرصة لو سنحت له أن يكون مكان عم عيد، وما بين لا مبالية، وزوجة تشارك زوجها في الاسبهلال ..

حانت ساعة الصفر، ودخل العاملون إلى مقر الشركة صامتين. الكل يتوجه إلى شؤون العاملين ليتسلم بطاقة مغلقة مكتوب فيها وظيفته الجديدة المؤقتة ..
تدخل عادل بحكم نفوذه القديم كرئيس مجلس إدارة سابق وطلب من مدير الموارد البشرية أن يختار وظيفته بنفسه، وبعد إلحاح وافق المدير استثناءً على رغبة عادل في أن يكون قدوة في التواضع لكبار الموظفين السابقين وأن يتسلم وظيفة عامل البوفيه ..
وما إن وقّع عادل على استلام وظيفته الجديدة حتى انقلبت ملامح مدير الموارد البشرية وصاح في وجهه: "يللا على شغلك .. وجيب لي القهوة بتاعتي بسرعة" ..
كان عادل سعيداً بما فعله مدير الموارد البشرية وظن أنه يحاول أن يتقمص الدور.
ما إن وضع عادل قدمه في البوفيه حتى انهال جرس غرفة رئيس مجلس الإدارة بالرن وكاد أن يخترق أذن عادل، فسارع إلى غرفة "الأستاذ عيد" ليطلب منه الاكتفاء برنة جرس واحدة. وقبل أن يتفوه ببنت كلمة بادره عيد مستنكراً:
"ساعة يا حيوان؟ هو أنا هتحايل على أمـ .. على والدتك عشان تسممني كوباية كاباشتينو؟ يلا بسرعة عندي شغل".

كانت هذه هي بداية أصعب يوم مر على عادل؛ ذلك الشاب الرومانسي مرهف الحس الذي طالما أسر الفتيات بضربته المميزة في ملعب الجولف، والآن يسمع ما لم يَطَل أذنه طيلة حياته إلا من وراء زجاج سيارته المكيفة في الشوارع المزدحمة بسائقي الميكروباص ..

في كل مرة يفكر أن يلغي التجربة ويعيد كل شيء إلى وضعه المعتاد يتذكر تعنيف والده له حين كان يصيح في وجهه: "يا فاشل .. يا عيل .. مقدرتش تصمد أمام التحدي .. يا فاشــ " ..
هز رأسه طارداً هذه الذكريات الأليمة مصراً على إثبات قدرته على الصمود .. ولكنه يعود ويبدأ في الشعور بالندم على إقدامه على هذه التجربة مع أناس لم يتعلموا مباديء العلاقات الصحيحة في العمل والحياة .. ولم يعرفوا الاحترام ولا اتخاذ القرار الديمقراطي ..ولا .. ولا..
وأثناء قيامه بجمع الخزف المتناثر جراء سقوط الفناجين أثناء غسلها ظل يسأل نفسه ..
"هل كان أبي بهذه الدرجة من السوء؟
ولماذا صمتوا على إهدار حقوقهم كل هذه الفترة؟
وإذا أجرم أبي فلماذا يعاقبونني أنا؟ ما ذنبي؟ ما ذنبي؟" ...

أفاق عادل من غفوته بين أكوام الملفات على مكتب والده على صوت عم عيد وهو يضع كوب الكاباتشينو ويسأل عادل:
"أي خدمة تانية تؤمر بيها سعادتك؟"
وبانفعال تلقائي .. تقمص نبرة صوت والده وأشاح له بيده قائلاً:
"غور في داهية يا حيوان"


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والآن نتساءل بعد قراءة القصة:
1- أين الخلل، على مستوى الشركة وما يوازيها في الحياة العامة؟
2- من المخطيء؟
3- ما الحل؟
4- هل الحل سريع أم يجب تجزئته على مراحل؟



8 التعليقات:

  1. احييك يا اسماعيل ، القصة اكثر من رائعة
    كما انها واقعية الى حد بعيد

    مفيش شك ان السبب في الوضع الراهن هو دائرة مغلقة مابين الاب (ألمدير) والعاملين (سواء الكبير منهم مثل مدير الموارد البشرية او الصغير مثل عم عيد الساعي)
    اذا ما سلك المدير ذلك السلوك فأن شيئا من هذا ما لم يكن ليحدث ، واذا دافع العاملين عن حقوقهم ما كانوا يسمحون للذلك المدير بأن يتعامل بهذا الشكل القاسي
    الشكل الذي امتد ليصل الى ابنه في ترديده لعبارات مثل انت فاشل ، فجعل منه رجلا مترددا غير قادر على اخذ قرارات فعليه فأعتقد لهذا السبب كان ذلك اليوم المقلوب مجرد فكرة تدور في رأس "عادل" والتي انتهت بعبارة "غور في داهية يا حيوان"

    لقد اثارت تلك القصة في نفسي تسائلا كثيرا ما تسائلته من قبل ، وهو من اين نبداء؟

    انبداء بمن هم صناعي القرار كي يتخذوا القرارات المناسبة فارضين على البقية الالتزام بسياستهم الجديدة؟؟ ولكن اذا تقبل صانعي القرار هذا فربما لن يتقبله البقية كما فعل العاملين
    وان فعلنا العكس ، بأن نعرف هؤلاء العاملين على حقوقهم لندعهم يطالبون صناع القرار بها؟؟ ولكن اذا تفهم العاملين ذلك فلربما لن يردخ صانعي القرار لرغباتهم

    فلذلك اعتقد ان ثقافة التغيير والتنوير يجب ان تكون مستمرة ومتغللة واصيلة في كلا الكيانين ، وان تزرع و تبنى سويا في نفس الوقت بخطى ثابته في كلاهما
    حتى لا يضيع تقبل احدهم بسبب عدم تقبل الاخر


    تقبل تحياتي وشكرا على مشاركتنا تلك القصة الرائعة...

    ردحذف
  2. إسماعيل الإسكندراني5 مايو، 2009 2:36 م

    أشكرك على تفاعلك

    وكان نفسي تشرفني باسمك

    ردحذف
  3. ممتاز يا استاذي
    بجد انت سألت السؤال وجاوبت على نفسك
    الخلل في ان الناس دي مينفعش يطبق معاها النظام ده
    المفروض كان يعمل كده مع الموظفين الجداد اللي هو حيعملهم الانترفيو ويعرف دماغهم
    يعمل كده معاهم
    مش مع ناس شبه متخلفين

    ردحذف
  4. إسماعيل الإسكندراني5 مايو، 2009 2:42 م

    طيب لو الناس شبه المتخلفين دول هما الشعب

    ورئيس الشكة كان الرئيس (أو وريثه)
    يعمل إيه؟!!

    يعمل إنترفيو لشعب جديد؟!!

    ولا الناس تتغير

    ردحذف
  5. أولا القصة عاجبتني جدا جدا و فكرتها متازة من وجهة نظري. ثانيا أنا شايفة أن فعلا التغيير لازم يكون في الجهتين مع بعض عشان يكونوا شايفين نفس الصورة في الأخر مايبقاش كل واحد بيتكلم في حاجة التاني مش شافيها و بالتالي يحصل سوء تفاهم أكبر من الحالي. لازم كفتين الميزان تتعادل

    ردحذف
  6. إسماعيل الإسكندراني11 مايو، 2009 12:02 م

    شكرا على تعليقك المتوازن يا ندى

    ردحذف
  7. احييك على عمق تفكيرك يا اسماعيل
    بعد تجربة قلب الهرم من المفترض ان الرئيس الجديد يمنع كل اشكال الاستبداد و التسلط... ويطبق الايزو يعني الديمقراطية اللي بيختار فيه الموظفين اكفا واحد فيهم يدير الشركة
    ده المفروض ..بس لا الهرم ممكن يتقلب ولا رئيس الشركة حيعرف يطبق افكاره الاجنبية
    استمر وكمان عشر سنين حنجري وراك عشان ناخد صورة معاك لانك حتبقى من اعلام الصحافة ان شاء الله

    ردحذف
  8. إسماعيل الإسكندراني17 مايو، 2009 9:26 م

    أشكرك يا منصور

    على فكرة أنا اللي في جيبي ما يكملش عشرة جنيه

    وآديني كتبتها على النت عشان لو اتعوجت عليك ورفضت أتصور معاك تبقى تفكرني بالماضي

    ردحذف

أشكرك على التزام الأسلوب الراقي في التعبير عن رأيك
وأرجو أن أظل معتزاً بتعليقك وألا أكون مضطراً لحذفه.